اسماعيل بن محمد القونوي
87
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وهذا يستلزم الاستيفاء والمعنى وقصتهم بتمامها ( معطوفة على قصة المصرين ) يعني أنه ليس من باب عطف جملة على جملة لتطلب مناسبة الثانية مع السابقة بل من باب ضم جمل مسوقة لغرض إلى آخر مسوقة لآخر والمعنى بالعطف المجموع وشرطه المناسبة بين الغرضين فكلما كانت المناسبة بين القصتين أشد وأمكن كان العطف بينهما أشد وأحسن ولا يتكلف لخصوص كل جملة تناسب وهذا أصل في العطف وتفرد به صاحب الكشاف وتبعه المصنف ولم يصرح به الإمام والسكاكي ولذلك أشكال عليه العطف في نحو وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ البقرة : 25 ] على الوجه المذكور كذا نقل عن صاحب الكشف ومنه اتضح أن عطف القصة على القصة مختص بجمل متعددة فقول بعض الفضلاء في تصحيح عطف وهو حسبي ونعم الوكيل أنه من عطف قصة على قصة ليس على ما ينبغي وتناسب الغرضين هنا ظاهر لما فيهما من التسجيل على قبحهم وشناعة شكيمتهم المناسبة بين آحاد الجمل فالمراد عطف مجموع جمل واقعة في القصة الثانية الأولى مسوقة لغرض على مجموع جمل واقعة في القصة المسوقة لغرض آخر ولا يشترط فيه إلا تناسب الغرضين ولا يتكلف لكل جملة من هذا مناسبة مع كل جملة من ذلك ولا يرد باشتمال أحد المجموعين على جملة لا تناسب جملة مذكورة في المجموع الآخر والغرض المسوق له المعطوف عليه هنا بيان أنهم مطبوعون على الكفر لا يجدي عليهم الدعوة ولا ينجع فيهم الانذارات والذي سبق له الكلام المعطوف هو الكشف عن افراط المنافقين وبيان تضاعف كفرهم ولا يخفى ما بين الغرضين من التناسب ونظيره ما ذكره صاحب الكشاف في قوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ البقرة : 25 ] الآية من أنه ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول زيد يعاقب بالقيد والارهاف وبشر عمرا بالعفو والاطلاق يعني ليس المقصود عطف الأمر بل المقصود عطف مضمون قوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 25 ] الآية وهو وصف ثواب المؤمنين على التفصيل الذي تضمنته الآيات إلى قوله تعالى : وَهُمْ فِيها خالِدُونَ [ البقرة : 25 ] على الحاصل من مضمون الكلام السابق وهو وصف عقاب الكافرين على التفصيل الذي يشتمل عليه قوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] إلى قوله تعالى : أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ البقرة : 24 ] وحاصله أنه عطف مجموع على مجموع لا باعتبار عطف شيء من هذا على شيء من ذلك وقد تقع مثل هذا العطف في المفردات كما في قوله تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ الحديد : 3 ] فإن الواو الوسطى عطفت مجموع الصفتين الأخريين على مجموع الأوليين فلا يرد بفقد أن التناسب بين الظاهر والأول وبين الباطن والآخر قال صاحب الكشف وهذا أصل في العطف لم يصرح به الإمام السكاكي ولذلك أشكل عليه العطف في نحو وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 25 ] على الوجه الذي ذكره صاحب الكشف هذا ولعل في التعبير عنهم بلفظ المصرين في قوله معطوفة على قصة المصرين إيماء إلى الجامع بين القصتين المصحح للعطف وهو تناسب التضاد فإن الاصرار يضاد الذبذبة التي عبر عن الموصوف بها بالضمير في قوله وقصتهم الراجع إلى المذبذب في قوله وثلث بالقسم الثالث المذبذب أي وقصة المذبذبين عن آخرها معطوفة على قصة المصرين .